ابن سبعين
453
رسائل ابن سبعين
--> معها سواها . وتأمّل يا أخي لو يقع التجلي في رتبة التقييد وكان التجلي في رتبة الإطلاق كما كان قبل خلق الخلق المشار إليه ب « كان اللّه ولا شيء معه » من كان معه حتى يتلقى عنه شرائع ، ومن كان هناك يعمل بها أو لا يعمل من أهل القبضتين . وأنشدوا : قد كان ربّك موجودا ولا معه * شيء سواه ولا ماض ولا آت فلما خلق اللّه تعالى الخلق وتجلى في رتبة التقييد التي هي كناية على المرآة المنطبع فيها صور الموجودات أجمع وسمّى لنا نفسه بالأسماء الطالبة لأهل حضراتها . فلا بدّ لإثباتك المعرفة لمن يتلقى عنه الأحكام : من ملك ، أو بشر ، وإلا فتلقّي الأمر من لم يعرف بوجه من الوجوه محال ، ولا بدّ لك أيضا من إثبات من تحكم فيه حضرات الأسماء الإلهية : كالمعز ، والمنتقم ، والغفور ؛ فإن أثر هذه الأسماء في حق الحق محال . فقد بان لك أنه تعالى من حين أظهر الخلق ما تجلى لهم قطّ في رتبة الإطلاق ؛ لأن هذه الرتبة تنفي بذاتها وجود غيرها معها ، وما تجلى بعد إظهارهم إلا في رتبة التقييد . ومن لازم شهود أهل العقول أنفسهم معه التحييز والتحديد والحصر ؛ إذ المقيد لا يشهد إلا مقيدا ، وأما الإطلاق فإنما يعلم فقط بالإعلام الإلهي لا بالعقل . ولذلك قررنا غير ما مرة أن أعلى مشاهدة العبد أن يرى إطلاق الحق تعالى وتقييد الكون ، فهذا إذا حقيقية ؟ ؟ ؟ وحدته تقييدا ، فإن أصل التقييد وسببه إنما هو التمييز ، حتى لا تختلط الحقائق ، وقد صار الحق تعالى في قلب هذا الشاهد مقيدا بالإطلاق ؛ لأن الإطلاق بلا مقابل لا يعقل ، ولو كان التجلي في كل صورة في العالم . وبلغنا عن الشيخ محيي الدين رحمه اللّه أنه كان يقول بإدراك تجلي الإطلاق ذوقا ، وهذا لا يصحّ إلا عند من يقول أن الحق تعالى يقبل حكم كل ممكن من حيث أنه عين الوجود ، بل ولو قيل بذلك لا يتخلّص له إلا عند فنائه ، لا في حال بقائه مع الحق ، وحينئذ فما رأى إطلاق الحق إلا الحق ، فافهم . وإيّاك والغلط ؛ فإنه لا حلول ولا اتحاد ولا يلحق عبد رتبة ربّه أبدا ، ولو صار الحق تعالى سمعه وبصره وجميع قواه فإن الحق تعالى قد أثبت عين العبد معه بالضمير في قوله في الحديث القدسي : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » ، إلى آخر النسق . فإن قيل : إن كلام الحق تعالى قديم ، وقد قال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الحديد : 4 ] . وهذا يشعر بأنّا معه في الأزل ، كما يقول بذلك الفلاسفة . قلنا : التحقيق أن العالم كله قديم في العلم الإلهي حادث في الظهور . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولا شيء معه » . وأجمع المحققون على أن المراد ب ( كان ) الوجود ، لا أنها على صورة ( كان ) التي هي من الأفعال